الشيخ سليمان ظاهر
309
معجم قرى جبل عامل
إلى الناموس الأعظم الذي يزكي النفوس ويشعرها جلال حياة الروح ، فكانت هذه الشريعة الجديدة بتعاليمها الأدبية شريعة روحية تكاد تتمحض لها حال ذلك الإفراط المادي ، والتفريط بكل ما يصعد بالنفس إلى الرفيق الأعلى ويعرج بها إلى ملكوتها الأسمى ويخلصها من ظلمة الظلم وظلمة الوهم وكثافة المادة وقد سئمت ذلك كله . فكان من تعاليم هذه الشريعة ما يزهد بشهوات الأنفس ويبعثها على الميل إلى الزهد والنسك والبعد عن كل ما يقطع صلتها بعالمها ، فصبت نفوس من شغفوا بتلك التعاليم إلى حياة العزلة والعزوف عن كل ما يصرفها عن الاتصال بواجب الوجود ، فبعد أن كانت ترتاض بهذه الحياة الصوفية في الأوساط العالمية معتزلة عن الناس في معابدها مالت إلى العزلة عنها لتتمخض إلى الاعتزال عن كل وسط عالمي ، فانتقلت منها إلى الصحارى ورؤس الجبال ، وسرعان أن فشت الحياة الرهبانية وشيدت لها الأديار ، وهكذا إلى أن اتخذت الرهبنة نظاما خاصا وحياة خاصة . وملأت الأديار الديار التي دانت بالنصرانية ، وكانت أسبقها إلى عمارتها بلاد الشام موطن المسيحية ، ومنها انتشرت بانتشارها في الأقطار التي دانت بها ومشت معها جنبا إلى جنب وانتقلت من الشرق إلى الغرب ، وعرفها العرب الذين دانوا بالنصرانية وأنشأ منها الكثير الغساسنة بالشام والمناذرة بالعراق حتى ألّف فيها علماء العرب كتب الديارات « 1 » . ولا غرو إذا كثرت الأديرة في جبل عامل ، وهو على قاب قوسين من مهد ظهور الديانة المسيحية ، وقد كان جزءا من القطر الثاني الذي انبسط فيه
--> ( 1 ) أحصى كوركيس عواد أحد عشر كتابا في الديارات ( مقدمة الديارات ص 36 - 48 ) أشهرها كتاب الديارات للشابشتي الذي نشره كوركيس عواد في بغداد طبعة أولى 1951 وطبعة ثانية بغداد 1966 .